واثـــــق شــــــاذلي:الفقر الذي نشكو منه مثل غيرنا من دول العالم النامية والمتخلفة والذي تصطاد قوى التخلف والإرهاب من وسط مياهه العكرة ضحاياها ... كيف يفهمه رجل الدولة وكيف يفهمه رجل الشارع (أي المواطن العادي)، وكيف يمكن مواجهته والقضاء عليه، بل الحد من أضراره البالغة التأثير على حياتنا وتقدم بلدنا.
رجل الدولة يرى كما تحدث د. علي مُجوَّرَّ رئيس الوزراء إلى صحيفتي الشرق الأوسط اللندنية والعرب الدولية قائلاً : "إن الفقر يُعد أهم المشكلات في اليمن وسببه الفجوة بين ضعف الموارد والاحتياجات، وأن بلادنا بحاجة إلى 40 مليار دولار للتغلب على المشكلات الاقتصادية، وإلى حشد الجهود الدولية لمساعدة اليمن في تنفيذ خطة شاملة في كل القطاعات لتحقيق الازدهار والاستقرار".
أما الإنسان العادي -أو كما نطلق عليه رجل الشارع- فيرى أن الفقر هو حرمانه من الحصول على عمل (مصدر رزق) يمكنه من الوفاء باحتياجاته هو وأسرته وأهله. لكنه يرى من واقع حياته أن هذا العمل وهذا الدخل الذي يحصل عليه منه قد لا يعني له الشيء الكثير أو الشيء المناسب بل ذلك القليل الذي لا يفي بمتطلبات حياته ولا يسد احتياجاته الرئيسية ناهيك عن الثانوية، والسبب أن الأسعار المطلقة السراح في جميع مجالات حياتنا تـخلق تلك الفجوة بين الموارد (الراتب) والاحتياجات (مأكل ومشرب وسكن وعلاج وتعليم.. الخ)، بل إن هذه الأسعار بصورتها الحالية تزيد هذه الهوَّة عمقاً واتساعاً وتحبط كل محاولات الدولة لتحسين حياة الناس وإنقاذهم من براثن الفقر أو التخفيف من أضراره المؤلمة مادياً ونفسياً. فالراتب لم يعد قادراً على سد حاجة واحدة من عشرات الحاجات؛ فإيجار شقة متوسط الحجم (3 غرف) قد يبتلع الراتب كله، بل إن البعض يستدين فوقه لتسديد هذا الإيجار ، هل هذا معقول؟! ...
كانت الإيجارات زمان لا تزيد عن 4 في المائة من راتب الموظف (ذلك هو المعدل أو المتوسط العام)، ولم نسمع في الدنيا كلها بإيجارات لعموم المواطنين تبتلع رواتبهم كاملة بل وأكثر منها.
المتحكمون في الأسعار جعلونا نخشى حتى مناسباتنا البهيجة، لو أراد الشاب الزواج فإن راتبه لن يمكنه من ادخار متطلبات الزواج ولو بعد سنين طويلة (مهر + إيجار قاعة ونفقات إجراءات الزواج + قيمة أثاث عش الزوجية)، وليس أمامه إلا وضع رقبته تحت مقصلة الديون ليدخل عش الزوجية مكبلاً بالأغلال والقيود. وإذا مرض الواحد فإن تكاليف التطبيب وأسعار الأدوية تحتاج إلى علاج لها.
إرهاب الأسعار هذا لا يقل ضراوة عن إرهاب المتفجرات والأحزمة الناسفة، بل إنه قد يفوقه وتلك حقيقة لا يجب أن نسكت عنها أو نقلل من وطأتها؛ فإرهاب الأحزمة الناسفة قد يلوذ ببعض الجبال أو يتخندق في معسكرات نائية، لكن إرهاب الأسعار وحش كاسر يربض أمامنا في كل نواحي حياتنا فاغراً فاه الواسع البشع بأنيابه التي تطحن الصخور لابتلاع كل ما نحصل عليه أولاً بأول وكل محاولات الحكومة والدولة في رفع مستوى الدخل وتحسين مستوى المعيشة.
ومثلما نحتاج إلى تكاتف الجميع لتحقيق التنمية نحتاج إلى نفس التكاتف لإصلاح هذا الاعوجاج الكبير في مسألة الأسعار وإلا فان خطط التنمية وجهود البناء وبرامج التطوير وتحسين حياة الناس إلى الأفضل لن تصب إلا في مصلحة فئة قليلة وتُحرم منها الغالبية العظمى للشعب.
على الحكومة ومجلس النواب والمجالس المحلية وغرف التجارة والصناعة والقطاع الخاص تدارك الأمر قبل أن يقوى إرهاب الأسعار ويتحول من وحش إلى غول لا نقوى بسببه على الابتعاد عن خطوط الفقر المعروفة أو الصعود من تحتها.