أحمد الزرقة:
بهدوء وبعيد عن الضجيج وبعد معاناة صراع مرير مع المرض ترجّل أبو الثقافة وراعي المثقفين الأول في اليمن الرجل الذي انطلق من رؤية عميقة لمآلات الأمور بعين بصيرة وقلب شفاف يخترق الضوء بأن اليمن لن يصلح ولن تقوم له قائمة، إذا لم يهتم بالثقافة والمثقفين ويستوعبهم.من هنا كان العفيف الإنسان وكانت العفيف المؤسسة، عرفت الأستاذ احمد جابر عفيف في العام 1996، ومعي عشرات من الشباب الجامعي المتحمسين في فترة دراستنا الجامعية للمساهمة في صنع شيء لهذا البلد وكانت الفكرة إصدار نشرة شبابية تعبّر عن واقعنا عرضنا الفكرة على الأستاذ احمد جابر عفيف فكان سخيا علينا بأفكاره وكريما في التكفل بتكاليف اصدر النشرة، عند ما التقيناه أول مرة شعرنا كم هو قريب وبسيط وإنسان، حدثنا عن بدايات حياته التي تميّزت بالمعاناة والوجع، وحدثنا عن طموحاته في أحداث تغيير ثقافي واجتماعي وفي القضاء على آفة القات، كان يحدثنا بصوت شيخ سبعيني وقلب شاب يرى أن الالتفات للماضي يضر بالأشخاص، ويقول إن الله خلق العينين في مقدّمة الرأس كي تنظر للإمام وتلك وظيفتها، وليس الالتفات للخلف.
كان يشعرني ومعي جميع الزملاء الذين كنّا ننتظم في زيارة المؤسسة بأنه قريب منا، وكم كان حريصا على متابعة أخبار تحصيلنا العلمي، ومعرفة ظروفنا وأحوالنا المادية بروح الأب والوالد والصديق.
وزراء عديدون تعاقبوا على وزارة التربية والتعليم لكن لا اسم في الذاكرة يبقى مثل أحمد جابر عفيف الذي ظهر أسمة مذيلا على المناهج الدراسية والذي ارتبط في ذهنية العديد من طلاب المدارس في سبعينيات القرن الماضي وكانت له بصمات ومعالم واضحة خلال تلك الحُقبة التي كانت البدايات الأولى للتعليم في اليمن في ظل عدم وجود منهج تعليمي محدد، وفي ظل الوصاية الأبوية للمناهج الدراسية المصرية.
ذلك الطفل القادم من بيت الفقيه والذي تربى يتيما والذي اختير لإلقاء قصيدة أمام الإمام يحيي وأعطاه الإمام ريالا عماديا ما يزال محتفظا به إلى اليوم، اختار العمل في أوساط الشباب كونه يرى أن التغيير لا يصنعه سوى الشباب وهو ما جعله يؤسس مؤسسة العفيف الثقافية التي تقوم بدور تثقيفي وتنويري يفوق دور وزارة الثقافة في عديد من الحالات.
من يستطيع أن يتذكّر من هو رئيس مجلس إدارة البنك اليمني للإنشاء والتعمير قبل أحمد جابر عفيف، بالتأكيد لن يستطع تذكّر من تعاقبوا على إدارة البنك بعده، فبالرغم من الفترة القصيرة التي قضاها هناك إلا أنه الوحيد الذي ترك بصمة واضحة للبنك، كما استطاع أن يخلّد اسم البنك كمؤسسة وطنية ساهمت في توفير بيوت لمحدودي الدخل عبر مشروع المُدن السكنية لموظفي الدولة وبالتقسيط، ومدينتا حدة وسعوان خير شاهد على أنه متى توفّرت الإدارة الرشيدة والعقلية المتفتحة لا يكون هناك شيء مستعصٍ على التطبيق، هذان المشروعان هما ما يجعلان الكثيرين اليوم يتمنون لو أن هناك عفيفا آخر في أي مؤسسة وطنية استثمارية يحقق أحلاما لآلاف من الموظفين البسطاء بمأوى يوفّر لهم ولو جزءا بسيطا من السكينة ويمنحهم الشعور بالأمان وعدم القلق على مستقبل أسرهم ويريحهم من ملاحقات المؤجِّرين.
وزارات متعاقبة للثقافة ووزراء من مختلف الاتجاهات فيهم المثقف والسياسي وعام للثقافة وآخر للسياحة وميزانيات ذات أرقام أعجز عن قراءتها، وإصدارات تسد عين الشمس، كثير منها غث وقليل منها سمين، لكن العفيف ومؤسسته الثقافية تجاوز وزارة الثقافة بمراحل طويلة وحقق بماله الشخصي ما عجزت عنه ميزانية الدولة عبر النشاط السنوي المنتظم منذ أكثر من عشر سنوات والذي استطاع أن يحتل مساحة الاهتمام الأوفر في الحياة الثقافية والأدبية اليمنية، حتى أصبح لزاما على من أراد أن يتعرّف على الحياة الثقافية في اليمن أن يزور مؤسسة العفيف الثقافية، وأن يخلع نعليه على بابها احتراما للثقافة وتقديرا لدور المؤسسة الجدير بالإنحاء أمامه.
لا مجال هنا للمقارنة بين مؤسسة العفيف التي أوقف لها صاحبها منزله الشخصي، الذي لا يملك غيره، والذي أوصى بتحويله إلى متحف بعد وفاته، والذي كرّم أقطاب السياسة والفن والأدب والصحافة وكافة المبدعين في شتى المجالات، ولم يكرّمه أحد ولا ينتظر من أحد منًا ولا أذى.
وبين وزارة الثقافة و أي جهة أخرى فالرجل هنا أنجز لليمن ما عجزت عن انجازه عشرات الوزارات المتعاقبة على وزارة الثقافة، والمقصود هنا "الموسوعة اليمنية" أو بالأصح "موسوعة العفيف الثقافية"، التي طُبعت مؤخرا طبعتها الثانية على غرار الموسوعات العالمية بطريقة منهجية وعملية، قلما تتوفّر في أي عمل بحثي يمني، وهنا الفرق، فالرجل لديه الرغبة في خدمة اليمن حتى وإن كان بعيدا عن السلطة، وهو هنا يعطى درسا من الصعب على العديد ممن امتلكوا ناصية الجاه أو الدنيا أن يفكِّروا بخدمة بلدهم، وكان من السهل عليه جدا أن يبحث عن حياة هانئة وأكثر هدوءا ومللا بعيدا عن همّ الثقافة والمثقفين، ولكن -كما يقال- إن النفوس الكبيرة تأبى إلا أن تنحت أثرها على الحياة.
كم من الأجيال تعرف العفيف، وكم من النخب الثقافية عايشته وعرفته عن قرب وتربت على يديه، وكم من المبدعين الذين كرّمهم أحياء "وهي ليست عادة يمنية" بعد أن تناستهم الجهات الرسمية وهم كُثر.
جامعة صنعاء هي الأخرى بصمات العفيف ما زالت محفورة عليها، ولعل الفضل يعود له في تأسيسها ووجودها على هذه الهيئة والمساحة الشاسعة من الأراضي والتي امتدت مؤخرا أيدي مافيا الأراضي إليها، والتهمت أكثر من نصف مساحتها.
وهو الذي تحمّل إرهاب المرجفين وقاوم أعداء الحداثة والتطوّر وأبى إلا أن يُكمل مشروعه الذي رأى فيه بداية للحاق بالعصر وهو مشروع جامعة صنعاء.
اليوم وبعد رحيل هذا العلم، يؤسفني جدا أن وصيته لم تنفذ فقد، أوصى -رحمه الله- أن يدفن في حوش مؤسسة العفيف، كي يظل قريبا من حلمه ومشروعه الذي بذره لينير لليمنيين جزءا من عتمة الظلام الدامس الذي يعيشونه. حاولت زيارته قبل رحيله بيومين، ومعي الزميلة بلقيس اللهبي، كان في غرفة العناية المركّزة بمستشفى جامعة العلوم والتكنولوجيا، لكن لم يسمح لنا برؤيته، رحمك الله يا أبي وأستاذي، وخفف مصاب رفيقة دربك أم خالد، وإنا لله وإنا إليه راجعون...