حسن عبد الوارث : ما كادت قناة السويس تستقر في أيدينا بأعجوبة في عام 1956، ونرى ذهبها يلمع في أكفنا حتى مضينا نلقي به على تلال اليمن.
وكانت قبائل اليمن التي نريد استمالتها إلى جانبنا لا ترضى بغير الذهب. فكانت تُلقى إليهم من طائراتنا الزكائب الممتلئة بالأصفر الرنان. كما كانت تُرمى من الجو لجيوشنا أطنان التموين والغذاء من صفائح الجبن الفاخر والمعلبات واللحوم والفواكه.
ولكن الشمس الحارقة وعدم وجود ثلاجات كان يفسد هذه الأطعمة، فتترك في أماكنها مُكدّسة، وقد لعب فيها الدود وانتشرت منها رائحة العفن، فلا يقربها أحد، وأهل مصر من الجياع والمحرومين لا يعرفون أن طعامهم هذا الذي يتمنونه ملقى للحشرات على تراب اليمن السعيد!
وهل استملنا مع ذلك قبائل اليمن بذهبنا؟ قيل أن القبائل - حتى الموالية لنا - كانت تأخذ ذهبنا بالنهار وتترصد لضباطنا وجنودنا في الليل، فتصطادهم وتجز رؤوسهم وتبيعها للطرف الآخر غير الموالي. ثم بعد ذلك انتهى الأمر باليمن كلها أن سارت مخالفةً لمصر في اتجاهها السياسي.
إن تاريخ حرب اليمن سيكتب يوما ً في صفحات صادقة لنعرف حقيقة ما جرى هناك.. وماذا كانت النتيجة التي خرجنا بها؟
من المؤكد الآن هو أنه بالإضافة إلى الأرواح التي ضاعت من جيوشنا، وتقدر فيما يقال بعشرات الآلاف من الرجال، فإن المعروف أيضا ً أن غطاء الذهب الذي نملكه قد ضاع بأكمله في هذه الحرب الضائعة!
النص سالف النشر هو للكاتب الكبير توفيق الحكيم، وردَ في سياق كتابه "عودة الوعي" الصادر - في نصه الأصلي والكامل - صيف 1974م في بيروت.
وهو واحد من عشرات وربما مئات النصوص المنشورة في سياق كتب، أو في صورة مقالات أو دراسات أو غيرها .. وجميعها اتفقت على معظم ما جاء في هذا النص القصير للحكيم - وإنْ اختلفت- إما في التفاصيل والبيانات والأرقام، لاسيما عدد القتلى والجرحى في صفوف الجنود والضباط المصريين، وإما في الموقف القومي والسياسي من الدعم المصري لثورة اليمن، بين موافق على هذا الموقف أو رافض له تماما ً أو غير مُحبِّذ من باب "ما يحتاجه البيت يُحرم على الجامع"!
والحق، أن قصة الدعم المصري لثورة اليمن – أو التواجد المصري في اليمن، بلغة أخرى – لم تكتمل فصولا ً بعد .. فمازالت تتكشف يوما ً إثر يوم حقائق ومعلومات وروايات جديدة لم تُنشر أو تُحْكَ من قبل.
حتى أن السيد سامي شرف (مدير مكتب الرئيس جمال عبد الناصر للمعلومات) أكد ذات ليلة أيلولية دافئة من العام 1995م، وفي حضور كاتب هذه السطور في العاصمة الليبية، أن خزانة الوثائق والملفات الخاصة بتلك الفترة وتلك الوقائع أو الأحداث هي أضخم من أن تضمَّها مئات المجلدات!
إذاً، ستظل القصة المصرية – اليمنية ناقصة ..وما أكثر القصص الناقصة في إضبارة التاريخ!
Wareth26@hotmail.com