السياسية نت >> مقالات سرقة أدبية.. أم توارد خواطر ؟ 2-2
| الثلاثاء 09 مارس 2010 | 
|
حسن عبد الوارث: إن مما يجدر ذكره في معرض تناولنا لهذه القضية هو ضرورة تبيان الفرق بين "الاختلاس" و"الاقتباس"، فهناك اختلاف بينهما ملحوظ, فالاختلاس هو السطو العمدي على هذا العمل الابداعي أو ذاك .. أي أن ينسب أحدهم إلى قلمه تسطير قصة أو قصيدة هي لقلم آخر غيره .. فيأتي العمل "المسروق" متطابقا ً مع ما أبدعه صاحبه الحقيقي قلباً وقالباً.. بينما الاقتباس يعني أخذ بعض المعاني والصور والأساليب عن عمل إبداعي ما وتحويرها بقالب آخر .. ويعتبر هذا الاقتباس أخذاً لا يُعاب على من يقوم به مادام قد أخذه ليس إلاَّ لغرض تكملة أو بلورة نسيج العمل الأدبي الذي يقوم بإبداعه .. إذ أنه "لا غنى عن تناول المعاني والصور من المتقدمين والحاذق هو من يحوّر في ما أخذ" كما قال عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين. ولقد شغل الأقدمون من أدباء ونقاد وفلاسفة ومفكرين بهذه القضية حتى النخاع, فصدرت عن أقلامهم وألسنتهم بحوث وآراء جدلية حولها كثيرة .. فذهب البعض مذهباً شديداً في التعنت الناتج عن نظرة خلقية للقضية, وانتحى آخرون منحى النظرة الأدبية الفنية للقضية. فمن آراء الأقدمين نجد آراء جد هامة للجاحظ، والجرجاني، والآمدي. فلقد أكد "الجاحظ" في مؤلفه "الحيوان" أن "كل صورة جَريئة أو معنى بديع أو تعبير مخترع (بفتح الراء) هو عرضة إما للتناهب وإما للإستعانة والإستمداد". كما يقول "أبو الحسن الجرجاني" في مؤلفه "الوساطة": "إن تناول المعاني المسبوقة ليس سرقة, وإنما هو أخذ لايُعاب, والتحوير الأدبي هو إخفاء معالم الأخذ". ونقرأ ماسطره الآمدي في بحثه "الموازنة": "السرقة إنما هي في البديع المخترع (بفتح الراء) الذي يختص به الاديب، لا في المعاني المشتركة بين الناس". إن ماعرضته في سطور مقالتي هذه ليس من رغبة في العرض عندي لقضية شاعت في أفق الأدب وذاعت منذ أزمان مضت، بل هي من حرص في نفسي لأعيد الى ذاكرة الواقع الأدبي بعضاً مما تناسته تلك الذاكرة في ما يختص هذه القضية ذات الأهمية القصوى. فلست أنا بصدد مناشدة أهل الفكر والأدب بالنظر الى هذه القضية بذات المنظار الذي نظر فيه الأقدمون اليها، فهم أدرى مني بهذا وأعقل، لكنني هنا أدق في جدار الذاكرة -كما قلت- كي لا يحدث ما حدث من قبل, حين نجد أنفسنا نبتُّ في أمر كهذا فنلقي بتهمة السرقة الادبية -ظلماً وعدواناً- على صانع أدب أو زارع فكر وهو بريء من تهمتنا هذه كل البراءة, براءة الذئب من دم يوسف أو براءة الحوت من لحم يونس، ويكون كُنْهُ الأمر ليس إلاَّ توارد خواطر بينه وبين ذلك الأديب الآخر الذي ندّعي أنه قد سرق منه عمله الإبداعي، أو يكون تناولاً مأخوذاً لا يُعاب عليه القيام به مادام قد حوّره تحويراً أدبياً جديداً وصبّه في قالب إبداعي جديد يبث في روح المعنى المأخوذ حياة جديدة. Wareth26@hotmail.com
|
| |