احمدغراب:هناك حكاية مشهورة لأجنبية زارت اليمن وتتبعت تفاصيل حياة اليمني، فأصابتها الدهشة! معاشه محدود ويصرف ثلاثة أرباع معاشه. يتناول "قات" مروي بما لا يقل عن خمسة سموم قاتلة تكفي لإبادة عشرة دببة قطبية، ويشرب مع القات سيجارة أو "مداعة" أو "شيشة" أو "شمة" و"بردقان" ومشروبات غازية بمختلف الألوان... وقبل ذلك يتناول "عصيد" مثل الحجر "الصورع" و"سلتة" ملتهبة كفوهة البركان، و"نفر" بسباس يكفي لإشعال مكوك فضائي...
الماء ملوث، الأدوية قد تكون مغشوشة أو مهربة، المواد الغذائية قد تكون منتهية الصلاحية، القمح قد يكون مسوسا...
يعيش تحت سقف غلاف جوي مغطى بطبقات متلتلة من ثاني أكسيد الكربون، ويفترش أرضا تمتص سبعمائة نوع من المبيدات القاتلة، ويمشي في شوارع وأسواق مدججة بآلاف الدراجات النارية والمواتر الكهربائية وعوادم السيارات...
تحيط به أدخنة الكسارات والمحاجر ومحارق الطوب والجبس وآلاف الأطنان من أكسيد الكربون والكبريت ومصانع "شمة" و"بردقان"...
يحمل طعامه في أكياس بلاستيكية قابلة للتحلل وتحتوي على مادة "دي توريليو". وتنتشر من حوله ومن فوقه ومن تحته أسلاك الضغط العالي. وقد يسكن بجانب محرقة مخلفات أو مقلب قمامة. وقد يشرب ماء ملوثا بالتراب والمجاري دفعته المضخات إلى خزان منزله...
قد يجد نفسه أمام عربية بطاط ملوثة أو كبدة مقلية بزيت بايت مدعم بجحافل الكولسترول. يتنفس الأميبيا، ويطبع مع الإسهالات، ويتمرس على الحميات بمختلف ميليشياتها، ويعاني من بكتيريا القولون، وقد يهاجمه إخطبوط السرطان، وقد يصاب بفشل كلوي، وقد تباغته حمى الضنك...
يذهب للطبيب فيعطيه إبرة ترفع له الضغط أو تفجر له السكري، وقد يكعِّفه علاجات لا يحتاجها، أو عملية جراحية هو في غنى عنها. وقد يحصل على وظيفة لدفن المخلفات الطبية في ضاحية قريبة من منزله...
وبعيدا عن التلوثات السابقة، هناك التلوث الأخطر: الفساد، الذي يبيد الأجيال؟ وهناك أيضا تلوث العقل، بالخطف والثأر والتعصبية القبلية والأفكار المناطقية والمصالح الشخصية...
بالعودة لموضوع الأجنبية التي أسلمت وهي تتأمل كيف يعيش اليمني رغم البلاوي المتلتلة التي تواجهه والتي يشيب من هولها ريش "الغراب"، فلعل ذلك ما دفعها إلى أن تهتف: "الله فيه في اليمن".